عبد الوهاب الشعراني
261
تنبيه المغترين
مني أن يعصوني في الخلوات ، يا داود اصحب النواحين واترك البطالين وقل لعصاة بني إسرائيل كيف تستحيون من عبادي دوني وجلالي لكم أظهر من جلالتهم لأني سيدهم . ( وقد سمعته ) رحمه اللّه تعالى مرة أخرى يقول لشخص لا يعيش له ولد قل الحمد للّه الذي لم يشغلني بأهل ولا ولد ، فقد أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام يا داود لا تطلب الأولاد فليس كل الأولاد ينفع ، رب ولد أشغل والده عن ربه وأشعل عليه قبره نارا ، يا داود قل لبني إسرائيل إذا أردتم المعصية فاذكروا صولة الزبانية وضيق الأغلال في طباق النيران ، يا داود لو اطلع عبادي على غضبي عليهم إذا عصوني لماتوا ولكني اختبأت عنهم غضبي رحمة بهم ، يا داود ضع خدك على التراب وناجني ، يا داود أبوك آدم من أكرم الناس عليّ لم يمس فرجه الحرام ولم يقتل نفسا وإنما نهيته عن الأكل من الشجرة فأكل منها ناسيا فتطايرت الحلل من على بدنه وسقط التاج من على رأسه وأوقفته موقف الندم ، فكيف بمن مس فرجه حرام وقتل نفسا سبحاني ما أرأفني بكم أيها الخلق وما أقل حياءكم مني ، تعصوني وعيني ترعاكم ولو أن أحدا من عبادي رآكم لذبتم حياء منه وأنا أولى بالحياء ، يا داود مالي أراك مطمئنا لا تبكي مع الباكين ولا تنوح مع النائحين فلو رأيت النارو زبانيتها وما أعددت للزناة فيها لذبت كما يذوب الرصاص في النار ، يا داود لخدمتك على وجهك في الثلج أهون عليك من مناقشتي لك في الحساب ، وعزتي وجلالي لأوقفن الخصوم وأسأل أحدهم عن وزن الخردلة ، يا داود قل لبني إسرائيل ترمقون وتزنون بأعينكم كأنكم تظنون أني لا أراكم ، يا داود من عصاني في الخلوات أطلعت المخلوقين على مساوئ أعماله وفضحته وأدخلته النار . انتهى ما سمعته من مواعظ الزبور وقد جمعت مواعظها كلها في جزء فاطلبه والحمد للّه رب العالمين ، وليكن ذلك آخر كتاب [ تنبيه المغترين ] أواخر القرن العاشر على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه . لما شرعت في خطبة الكتاب كنت في حصر عظيم من عدم وجود المواد التي أستمد منها في الكتاب فدخل علي شخص بكتاب عتيق مخروم من الأول بخط كوفي تاريخ كتابته خمسمائة سنة وشيء فوجدته مشحونا بأحوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين ورأيت مؤلفه يروي عن وكيع بن الجراح من أقران الإمام مالك رضي اللّه عنه ففرحت بذلك أشد الفرح فشيدت به أخلاق هذا الكتاب ، وكأن من يطالعه صحب الصحابة والتابعين وتابع التابعين ورأى أقوالهم وأفعالهم وورعهم وزهدهم وخوفهم وخشيتهم رضي اللّه عنهم أجمعين ، وقد